فصل: تفسير الآية رقم (143):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لأسعد حومد



.تفسير الآية رقم (136):

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)}
{الأنعام} {لِشُرَكَآئِهِمْ} {لِشُرَكَآئِنَا} {شُرَكَآئِهِمْ}
(136)- يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ، وَيُوَبِّخُهُمْ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ بِدَعٍ وَكُفْرٍ وَشِرْكٍ، وَعَلَى مَا جَعَلُوهُ للهِ، مِنْ أَنْدَادٍ وَشُرَكَاءَ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ. فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ نَصِيباً مِمَّا خَلَقَ (ذَرَأَ) مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ (مِنَ الحَرْثِ)، وَمِنَ البَهَائِمِ وَالأَنْعَامِ، وَجَعَلُوا لِمَنْ أَشْرَكُوهُمْ فِي العِبَادَةِ مَعَ اللهِ، مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، نَصِيباً آخَرَ فَقَالُوا:- فِيمَا زَعَمُوا وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَيهِ- فِي النَّصِيبِ الأَوَّلِ هَذَا للهِ نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيهِ. وَقَالُوا فِي النَّصِيبِ الثَّانِي: هَذَا لِمَعْبُودَاتِنَا (لِشُرَكَائِنَا)، نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهَا، فَكَانُوا يُنْفِقُونَ نَصِيبَ اللهِ عَلَى قِرَى الأَضْيَافِ، وَإِكْرَامِ الصّبْيَانِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى المَسَاكِينِ. أَمَّا نَصِيبُ آلِهَتِهِمْ فَكَانُوا يُنْفِقُونَهُ عَلَى سَدَنَتِهَا، وَعَلَى القَرَابِينِ إِلَيْها. فَمَا خَصُّوا مَعْبودَاتِهِمْ بِهِ، مَا كَانَ لِيَصْرِفَ شَيءٌ مِنْهُ فيِ الوُجُوهِ التِي جَعَلَهَا للهِ، بَلْ يَهْتَمُونَ بِحِفْظِهِ عَلَى السَّدَنَةِ، وَعَلَى ذَبْحِ القَرَابِينِ إِلَيْها. وَمَا خَصُّوا بِهِ اللهَ، وَجَعَلُوهُ لَهُ، فَكَانُوا يُحَوِّلُونَهُ أَحْيَاناً إلَى الأَصْنَامِ. وَقَدْ ذَمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى تَصَرُّفِهِمْ هَذَا فَقَالَ: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}، إِذْ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا أَوْلاً فِي القَسَمِ وَالتَّخْصِيصِ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيءٍ، فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ بِهِ أَحَدٌ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا قَسَمُوا هَذِهِ القِسْمَةَ الفَاسِدََ لَمْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا، بَلْ جَارُوا فِيهَا وَتَجاوَزُوا الحَدَّ.
ذَرَأَ- خَلَقَ عَلَى وَجْهِ الاخْتِرَاعِ أَوْ بَثَّ.
الحَرْثِ- الزَّرْعِ.
الأَنْعَامِ- الإِبْلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ.

.تفسير الآية رقم (137):

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)}
{أَوْلادِهِمْ}
(137)- وَكَمَا زَيَّنَتِ الشَّيَاطِينُ لِهَؤُلاءِ أَنْ يَجْعَلُوا للهِ نَصِيباً مِمَّا خَلَقَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ، وَلِلأَوْثَانِ نَصِيباً آخَرَ، كَذَلِكَ زَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ، خَشْيَةَ الفَقْرِ وَالإِمْلاقِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ خَشْيَةَ العَارِ (وَالشُّرَكَاءُ، هُنَا، هُمُ الشَّيَاطِينُ). وَقَدْ زَيَّنَتْ لَهُمُ الشَّيَاطِينُ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ، لِيُهْلِكُوهُمْ بِالإِغْوَاءِ، وَيُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ فِطْرَتَهُمْ، فَتَنْقَلِبَ عَوَاطِفَ وِدِّ الوَالِدَينِ، مِنْ رَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ، إلَى قَسْوَةٍ وَوَحْشِيَّةٍ، فَيَنْحَرَ الوَالِدُ وَلَدَهُ، وَيَدْفُنَ الأَبُّ ابْنَتَهُ وَهِيَ حَيَّةٌ. وَقَدْ لَبَسَتِ الشَّيَاطِينُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَدَّعُونَهُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِدِينِ أَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ، وَجَدِّهِمْ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيهِمَا السَّلامُ. وَقَدْ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَقَالِيدِ الشِّرْكِ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ مَا هُوَ الأَصْلُ، وَمَا هُوَ المُبْتَدَعُ فِيهِ. وَلُوَ شَاءَ اللهُ ألا يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَا فَعَلُوهُ، وَلَكِنَّ إرَادَتَهُ وَحِكْمَتَهُ قَضَتَا بِجَعْلِهِمْ مُسْتَعِدِينَ لِلْتَّأَثُّرِ بِكُلِّ مَا يَرِدُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الأَفْكَارِ وَالآرَاءِ، وَاخْتِيَارِ مَا يَتَرَجَّحُ لَدَيْهِمْ. فَذَرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ وَمَا يَتَقَوَّلُونَ وَمَا يَفْتَرُونَ وَيَبْتَدِعُونَ.
لِيَرُدُّوهُمْ- لِيُهْلِكُوهُمْ بِالإِغْوَاءِ.
لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ- لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ وَلِيُمَوِّهُوا عَلَيْهِمْ.
يَفْتَرُونَ- يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ.

.تفسير الآية رقم (138):

{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)}
{أَنْعَامٌ}
(138)- وَإِنَّهُمْ، لِغِوَايَتِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، قَسَمُوا أَنْعَامَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ:
أ- أَنْعَامٍ وَأَقْوَاتٍ مِنْ حُبُوبٍ وَغَيْرِها، تُقْتَطَعُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُجْعَلُ لِمَعْبُودَاتِهِمْ، تَعَبُّداً وَتَدَيُّناً، وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِغَيرِ هَذِهِ المَعْبُودَاتِ، وَيَقُولُونَ إِنَّهَا مُحْتَجَرَةٌ لِللآلِهَةِ، لا تُعْطَى لِغَيرِهَا وَلا يَطْعَمُهَا إلا مَنْ يَشَاؤُونَ، أَيْ لا يَأْكُلُ مِنْهَا إلا الذُّكُورُ دُونَ الإِنَاثِ.
ب- أَنْعَامٌ حٌرِّمَتْ ظُهُورُهَا، فَلا تُرْكَبُ وَلا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَهِيَ البَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالحَامِي.
ج- وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا عِنْدَ الذَّبْحِ بَلْ يُهِلُّونَ بِهَا لآلِهَتِهِمْ وَحْدَها، وَكَانُوا إذَا حَجُّوا لا يَحِجُّونَ عَلَيْهَا، وَلا يُلَبُّونَ عَلَى ظُهُورِها.
وَقَدْ قَسَمُوا هَذا التَّقْسِيمِ، وَجَعَلُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَنَسَبُوهُ إلَى اللهِ افْتِرَاءً عَلَيْهِ، وَاللهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، فَهُوَ لَمْ يَشْرَعْهُ لَهُمْ، وَسَيَجْزِيهِم اللهُ، عَلَى هَذَا الافْتِرَاءِ، الجَزَاءَ الذَي يَسْتَحِقُّونَهُ.
حِجْرٌ- مَحْجُورَةٌ وَمُحْتَجَرَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ.
حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا- وَهِيَ السَّوائِبُ وَالبَحَائِرُ وَالحَوَامِي.

.تفسير الآية رقم (139):

{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)}
{الأنعام} {أَزْوَاجِنَا}
(139)- وَخَصَّصُوا نَتَاجَ البَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ لِذُكُورِهِمْ، وَحَرَّمُوهُ عَلَى إِنَاثِهِمْ، فَلا تَشْرَبُ الإِنَاثَ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الأَنْعَامِ، وَإذَا وَلَدَتْ ذَكَراً كَانَ لَحْمُهُ مُخَصَّصاً لِلْذُكُورِ دُونَ الإِنَاثِ، أَمَّا إِذَا وَلَدَتْ أُنْثَى فَتُتْرَكُ لِلنِّتَاجِ. وَإِذَا وَلَدَتْ مَوُلُوداً مَيِّتاً اشْتَرَكَ فِي أَكْلِهِ الذُّكُورُ وَالإِنَاثُ.
وَسَيَجْزِيهِمِ اللهُ تُعُالَى عَلَى قَوْلِهِم الكَذِبَ فِي ذَلِكَ، إِذِ ادَّعُوا أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ اللهُ تَعَالَى {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} إنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ، عَلِيمٌ بِأَعْمَالِ العِبَادِ.
البَحِيرَةُ- المَشْقُوقَةُ الأُذْنِ مِنَ الأَنْعَامِ.
السَّائِبَةُ- التِي تُسَيِّبُ وَتُتْرَكُ لِلآلِهَةِ فَلا يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ.
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ- سَيَجْزِيهِمْ كَذِبَهُمْ عَلى اللهِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.

.تفسير الآية رقم (140):

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)}
{أَوْلادَهُمْ}
(140)- أَنْكَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مُشْرِكِي العَرَبِ أَمْرَينِ، وَنَعَاهُمَا عَلَيْهِمْ وَهُمَا:
أ- قَتْلُ أَوْلادِهِمْ وَوَأَدُ بَنَاتِهِمْ سَفَهاً، وَالأَوْلادُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَإِذَا سَعَى العَبْدُ فِي زَوَالِهَا فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً عَظِيماً.
ب- وَتَحْرِيمِ بَعْضِ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ ابْتَدَعُوهَا هُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ.
فَقَالَ تَعَالَى: إنَّ الذِينَ أَقْدَمُوا عَلَى قَتْلِ أَوْلادِهِمْ، وَوَأْدِ بَنَاتِهِمْ، وَتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَدْ خَسِرُوا فِي الدُّنْيا، لأَنَّهُمْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ، وَخَسِرُوا فِي الآخِرَةِ، لأنَّهُمْ سَيَكُونُونَ فِي أَسْوَأِ المَنَازِلِ بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ عَلَى اللهِ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ، إِذْ ادَّعُوا أَنَّ اللهَ هُوَ الذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. وَكُلُّ ذَلِكَ ضَلالٌ مِنْهُمْ وَسَفَهٌ، وَبُعْدٌ عَنِ الهُدَى.

.تفسير الآية رقم (141):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)}
{جَنَّاتٍ} {مَّعْرُوشَاتٍ} {مُتَشَابِهاً} {مُتَشَابِهٍ} {وَآتُواْ}
(141)- وَرَبُّكُمُ اللهُ، أيُّهَا النَّاسُ، هُوَ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَخَلَقَ بَسَاتِينَ فِيهَا أَشْجَارٌ مَعْرُوشَاتٌ- أَيْ مَرْفُوعَاتٌ عَلَى عَرَائِشَ كَأَشْجَارِ الكُرُومِ- وَغَيْرُ مَعْرُوشَاتٌ، وَخَلَقَ الزُّرُوعَ، وَمِنْهَا الحُبُوبُ، وَخَلَقَ النَّخِيلَ مُخْتَلِفاً فِي طَعْمِهِ حِينَ أَكْلِهِ، وَخَلَقَ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً فِي مَنْظَرِهِ، وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِي طَعْمِهِ، مَعْ أَنَّهُ كُلَّهُ يَنْبُتُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَيُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، فَكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ حِينَ يُثْمِرُ، وَأَدُّوا الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ يَوْمَ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ.
وَلا تُسْرِفُوا فِي كُلِّ شَيءٍ: فِي الأَكْلِ وَفِي الإِنْفَاقِ وَفِي اللِّبَاسِ، لأَنَّهُ تَعَالَى لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ.
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَ مَنْ يَجُزُّ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِقِنْوٍ مِنْهَا يُعَلِّقُهُ فِي المَسْجِدِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ المَسَاكِينُ).
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إذَا حَضَرَكَ المَسَاكِينُ حِينَ الجَنْيِ وَالقِطَافِ طَرَحْتَ لَهُمْ شَيْئا».
مَعْرُوشَاتٍ- مُحْتَاجَةٍ إلَى الرَّفْعِ عَلَى العَرَائِشِ كَأَشْجَارِ الكُرُومِ.
مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ- مُخْتَلِفَ الطَّعْمِ حِينَ الأَكْلِ.

.تفسير الآية رقم (142):

{وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}
{الأنعام} {خُطُوَاتِ} {الشيطان}
(142)- يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ خَلَقَ مِنَ الأَنْعَامِ حَيَوَانَاتٍ كِبَاراً، لِيَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَتَاعَهُمْ وَأَثْقَالَهُمْ (حَمُولَةً) كَالْجِمَالِ وَالأَبْقَارِ، وَخَلَقَ مِنَ الأَنْعَامِ صِغَاراً كَالفُصْلانِ الدَّانِيَةِ مِنَ الأَرْضِ لِصِغَرِ أَجْسَامِهَا، كَالفرْشِ المَفْرُوشَةِ عَلَيها، لِيَأْكُلُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَلُحُومِهَا، وَلِسْتَفِيدُوا مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الأَنْعَامِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ طَرَائِقِ الشَّيْطَانِ وَمَسَالِكِهِ وَأَوَامِرِهِ كَمَا اتَّبَعَهَا المُشْرِكُونَ الذِينَ حَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَيْهِ. وَالشَّيْطَانُ عَدُوٌّ لِلإِنْسَانِ بَيِّنُ العَدَاوَةِ، لا يُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ، وَلا يُرِيدُ لَهُ الأَمْنَ وَالسَّلامَةَ، وَلا الفَوْزَ بِرِضْوَانِ اللهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُضِلَّهُ وَيُؤَدِي بِهِ إلَى الهَلاكِ.
حَمُولَةً- مَا يَحْمِلُ الأَثْقَالَ كَالإِبْلِ.
فَرْشاً- مَا يُفْرَشُ لِلْذَّبْحِ، كَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ. أَوْ مَا هُوَ صَغيرُ الجِسْمِ قَرِيبٌ مِنَ الأَرْضِ كَالفِرَاشِ.
خُطُوَاتِ- طُرُقَهُ وَآثَارَهُ تَحْرِيماً وَتَحْلِيلاً.

.تفسير الآية رقم (143):

{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143)}
{ثَمَانِيَةَ} {أَزْوَاجٍ} {ءَآلذَّكَرَيْنِ} {صَادِقِينَ}
(143)- يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى هُنَا جَهْلَ العَرَبِ، قَبْلَ الإِسْلامِ، فِيمَا كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الأَنْعَامِ، وَجَعَلَوهَا أَجْزَاءً وَأَنْوَاعاً (بَحِيرةً وَسَائِبةً وَحَامَياً..) وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ فِي الأَنْعَامِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَيُبَيِّنُ اللهُ أَنَّهُ أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ، وَأَنَّهُ جَعَلَ مِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً، ثُمَّ بَيَّنَ أَصْنَافَ الأَنْعَامِ فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَلا شَيْئاً مِنْ أَوْلادِهَا، بَلْ جَعَلَهَا كُلَّهَا مُسَخَّرةً لِبَنِي آدَمَ، أَكْلاً وَرُكُوباً وَحَمُولَةً وَحَلْباً، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ.
وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ خَلَقَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الأَنْعَامِ: مِنَ الضَّأنِ (الغَنَمِ) زَوْجَيْنِ ذَكَراً وَأُنْثَى وَمِنَ المَاعِزِ زَوْجَيْنِ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى، وَلَمْ يُحَرِّمْ مِنْهَا شَيْئاً لا الذُّكُورَ وَلا الإِنَاثَ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ أَنْتُمْ بَعْضاً، وَتُحِلُّونَ بَعْضاً؟ وَهَلْ يَشْتَمِلُ الرَّحمُ عِنْدَ الحَمَلِ إِلا عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى؟ وَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ كُلَّهُ حَلالاً.
فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَخْبِرُونِي عَنْ يَقِينٍ (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) كَيْفَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ مَا زَعَمْتُمْ تَحْرِيمَهُ؟

.تفسير الآية رقم (144):

{وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)}
{ءَآلذَّكَرَيْنِ} {وَصَّاكُمُ} {الظالمين}
(144)- وَخَلَقَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الإِبِلِ زَوْجَينِ، ذَكَراً وَأُنْثَى، وَمِنَ البَقَرِ زَوْجَينِ، فَاسْأَلْهُمْ هَلْ حَرَّمَ اللهُ الذُّكُورَ أَمِ الإِنَاثَ، (أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ)، وَالأُنْثَى لا تَحْمِلُ إلا ذَكَراً أَوْ أُنْثَى. فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يُحْرِّمْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ شَيْئاً، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كُلَّهُ حَلالاً لِلْنَّاسِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ.
وَيَسْأَلْهُمُ اللهُ تَعَالَى إِنْ كَانُوا حَاضِرِينَ (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) حِينَ أَوْصَاهُمُ اللهُ بِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ؟ (وَهُوَ تَهَكُّمٌ عَلهِمْ).
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لا أَحَدَ أَكْثَرَ ظُلْماً مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً وَأَتَى بِبِدَعٍ، زَعَمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، لِيُضِلَّ بِهَا النَّاسَ، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ.
وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا- أَمَرَكُمُ اللهُ بِهَذَا التَّحْرِيمِ.